الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
63
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وحقيقة التبشير : الإخبار بما يظهر سرور المخبر ( بفتح الباء ) وهو هنا مستعمل في ضدّ حقيقته ، إذ أريد به الإخبار بحصول العذاب ، وهو موجب لحزن المخبرين ، فهذا الاستعمال في الضدّ معدود عند علماء البيان من الاستعارة ، ويسمّونها تهكّمية لأنّ تشبيه الضدّ بضدّه لا يروج في عقل أحد إلّا على معنى التهكّم ، أو التمليح ، كما أطلق عمرو ابن كلثوم . اسم الأضياف على الأعداء ، وأطلق القرى على قتل الأعداء ، في قوله : نزلتم منزل الأضياف منّا * فعجّلنا القرى أن تشتمونا قريناكم فعجّلنا قراكم * قبيل الصّبح مرداة طحونا قال السكاكي : وذلك بواسطة انتزاع شبه التضادّ وإلحافه بشبه التناسب . وجيء باسم الإشارة في قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ لأنّهم تميّزوا بهذه الأفعال التي دلت عليها صلات الموصول أكمل تمييز ، وللتنبيه على أنّهم أحقّاء بما سيخبر به عنهم بعد اسم الإشارة . واسم الإشارة مبتدأ ، وخبره الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ، وقيل هو خبر ( إنّ ) وجملة فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهو الجاري على مذهب سيبويه لأنّه يمنع دخول الفاء في الخبر مطلقا . وحبط الأعمال إزالة آثارها النافعة من ثواب ونعيم في الآخرة ، وحياة طيّبة في الدنيا ، وإطلاق الحبط على ذلك تمثيل بحال الإبل التي يصيبها الحبط وهو انتفاخ في بطونها من كثرة الأكل ، يكون سبب موتها ، في حين أكلت ما أكلت للالتذاذ به . وتقدم عند قوله تعالى : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ في سورة البقرة [ 217 ] . والمعنى هنا أنّ اليهود لما كانوا متديّنين يرجون من أعمالهم الصالحة النفع بها في الآخرة بالنجاة من العقاب ، والنفع في الدنيا بآثار رضا اللّه على عباده الصالحين ، فلمّا كفروا بآيات اللّه ، وجحدوا نبوءة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وصوّبوا الذين قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط ، فقد ارتدّوا عن دينهم فاستحقّوا العذاب الأليم ، ولذلك ابتدئ به بقوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ . فلا جرم تحبط أعمالهم فلا ينتفعون بثوابها في الآخرة ، ولا بآثارها الطيّبة في الدنيا ، ومعنى وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ما لهم من ينقذهم من العذاب الذي أنذروا به .